إثبات كلام الرحمن و نفي الخلق عن القرآن
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على الرسول الأمين، محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإن من أعظم مسائل الاعتقاد و أجلها إثبات ما أثبته الله لنفسه من الصفات العلى،ومن هذه الصفات صفةُ الكلام، التي دل عليها الكتاب و السنة و اجماع سلف الأمة .حيث يثبتون لله كلامًا حقيقيًا يسمعه المخاطَب، وأن هذا القرآن الذي نقرأه بألسنتنا، ونحفظه في صدورنا، ونكتبه في ألواحنا، هو كلامُ الله حقيقة، لفظه ومعناه، ولا يبحثون عن كيفية تكلمه تعالى به؛ لأننا نؤمن به ولا نحيط به علمًا.
أولاً/ القرآن الكريم
١. ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾
[الأعراف: 148]
حيث أن معبود قوم موسى الذي اتخذوه من حَلِيِّهم مما عيب عليه عدم الكلام، و يستدل بذلك على أنه ليس بإله
٢.﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾
[النساء: 164]
حيث أكد الكلام بالمصدر المثبت للحقيقة ، النافي للمعنى المجازى، وهو أسلوب معروف عند أهل اللغة. فمن قال :
قتلت العدوقتلا لا يفهم من كلامه إلا القتل الحقيقي الذي هو إزهاق الروح، بخلاف ما لوقال : قتلت العدو، فسكت، فإنه يحتمل القتل الحقيقي ، ويحتمل الضرب الشديد.
ومما يحكى في هذا الصدد أن بعض المعتزلة قال لأبي عمروبن العلاء أحد القراء السبعة : أريد أن تقرأ : (وكلم اللّٰه موسى تكليما) بنصب لفظ الجلالة، ليكون موسى هو المتكلم، لا (اللّه ) !! فقال له أبو عمرو : هب أنى قرأت هذه الآية كذا، فكيف تصنع بقوله تعالى : (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) ،فبهت المعتزلى.
٣. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ﴾
[آل عمران: 77]
فأنت ترى أن اللّٰه عاقبهم، وأهانهم بترك تكليمهم تكليم إكرام وإنعام، ولكنه سبحانه يكلمهم ويوبخهم بقوله : (اخسأوا فيها، ولا تكلمون).
٤. ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾
[التوبة: 6]
أما هذه الأية فمن أقوى الأدلة في أن هذا القرآن المقروء والمسموع كلام اللّٰه حقيقة، وهي رد مفحم لأولئك الذين يزعمونٍ أن هذا القرآن ليس بكلام الله حقيقة، وإنما هو دال على كلام اللّٰه الحقيقي النفسي الذي ليس بحرف ولا صوت، أو هو عبارة عنه.
ثانياً/ السنة النبوية
١. قوله تعالى لأهل الجنة : (ياأهل الجنة هل رضيتم) وهو حديث صحيح عن أبي سعيد الخدرى .
٢. قال مسروق عن ابن مسعود : إذا تكلم اللّه بالوحى سمع أهل السموات شيئا فإذا فزّع عن قلوبهم، وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا : (ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق) .
٣. ويذكر عن جابر وعن عبد اللّٰه ابن أنيس قال : سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (يحشر اللّٰه العباد، فيناديهم بصوت يسمعه مَنْ بَعُد كما يسمعه من قرب، أنا الملك أنا الديان).
٤.قال الإمام البخاري : باب كلام الرب مع جبريل، ونداء اللّه الملائكة ثم ساق سنده إلى أبي هريرة قال : قال رسول اللّٰه عليه الصلاة والسلام : (إن اللّه تبارك وتعالى إذا أحب عبداً نادى جبريل : إن اللّٰه قد أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادى جبريل في السماء : إن اللّٰه قد أحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء. ويوضع له القبول في أهل الأرض).
٥. عن الأعرج عن أبي هريرة، وفيه : (ثم يعرج الذين باتوا فيكم - يعنى الملائكة - فيسألهم وهو أعلم، كيف تركت عبادى ؟ فيقولون : تركناهم يصلون وأتيناهم يصلون) .
٦. قال الإمام البخاري : باب قول اللّه تعالى : يريدون أن يبدلوا كلام اللّه . ثم ساق حديثا مسندا عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام، وفيه : (يقول اللّه عز وجل : الصوم لي، وأنا أجزى به ، يدع شهوته، وأكله، وشربه من أجلى) .
هذه الأحاديث وأخرى كثيرة في صحيح البخاري وصحيح مسلم وعند أصحاب السنن الأربعة تضاف إلى الآيات الكثيرة التي تثبت الكلام اللفظي الحقيقي، ومن ذلك القرآن الكريم والكتب السماوية الأخرى .
ثالثاً / أقوال السلف الصالح من الصحابة
١ - أن أبا بكر الصديق رضي اللّٰه عنه لما خاطر قوماً من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس فغلبت الروم فنزلت:﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ *﴾[الروم: ٢ - ١) فأتى قريشاً فقرأها عليهم، فقالوا: كلامك هذا أم كلام صاحبك؟ فقال: (ليس بكلامي ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام اللّٰه عز وجل) وفي لفظ : (اللّٰه عز وجل أنزل هذا)
٢. وعن عائشة - رضي اللّٰه عنها - في قصة الإفك : (والله ما كنت أظن أن اللّٰه ينزل براءتي، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم اللّٰه فيّ بأمر يتلى)
٣. وقال خبّاب بن الأرت رضي اللّٰه عنه : (تقرب إلى اللّٰه ما استطعت، فإنك لن تقرب إلى اللّٰه بشيء أحب إليه من كلامه).
٤. وكانت أسماء بنت أبي بكر - رضي اللّٰه عنها - إذا سمعت القرآن قالت :(كلام ربي، كلام ربي) .
٥ - ولما قال الحجاج: (إنّ ابن الزبير يبدِّلُ كلام اللّه، فقال أبن عمر - رضي اللّٰه عنهما -: كذب الحجاج، إن ابن الزبير لا يبدل كلام الله، ولا يستطيع ذلك)
قال ابن القيم: (وقد نوّع الله تعالى هذه الصفة في إطلاقها عليه تنويعاً يستحيل معه نفي حقائقها، بل ليس في الصفات الإلهية أظهر من صفة الكلام والعلو والفعل والقدرة. .. فإذا كان كلامه، وتكليمه، وخطابه، ونداؤه، وقوله، وأمره، ونهيه، ووصيته، وعهده، وإذنه، وحكمه، وإنباؤه، وإخباره، وشهادته، كل ذلك مجاز لا حقيقة له، بطلت الحقائق كلها، فإن الحقائق إنَّما حقّت بكلمات تكوينه ( وَيُحِقُّ ٱللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَتِهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ) [ يونس: ٨٢] فما حقّتْ الحقائق إلا بقوله وفعله)
وكلامُ ربِّ العرشِ جلَّ جلالُهُ حقٌّ يُسمَعُ بالحروفِ ويُفهَمُ
نادى الكليمَ فأسمعَتهُ كلامَهُ لما أتى للوادي المقدَّسِ يُحرَمُ
رابعاً / موقف الخلف من هذه الصفة ومناقشتهم
أما الخلف فقد اختلفت آراؤهم، وتباينت مذاهبهم في هذه الصفة ولكنهم - على اختلافهم الشديد - متفقون على عدم إيمانهم بكلام الله الحقيقي اللفظي الذي يسمعه المخاطب والذي من جملته القران الكريم .
ثم إنهم يهتفون بهتاف نحن (أهل السنة والجماعة)
وكل يدعي وصلا لليلى وليلى لا تقر لهم بذاك
وأما شبهتهم فيما ذهبوا إليه أنهم يقولون : إن كان اللّه تعالى يتكلم بكلام له صوت وحرف ، لزم من ذلك التشبيه والتجسيم، لأنه لابد له حينئذ من مخارج الحروف من اللسان والشفتين وغيرهما . واللّه منزه عن ذلك .
إذا قلنا : إنه تعالى يتكلم كما يليق بجلاله وعظمته، دون أن نلزم كلامه لوازم كلام البشر انتفت الشبهة . وقد جاء في القرآن الكريم، ان بعض أعضاء بنى آدم سوف تتكلم يوم القيامة كما ثبت في السنة كلام بعض الجهادات، وكل ذلك دون أن يكون لها مخارج الحروف، وإذا كنا نؤمن بكلام هذه الأشياء تصديقاً لخبر اللّٰه وخبر رسوله عليه الصلاة والسلام، فكيف نستبعد إذا أن يتكلم اللّٰه وهو على كل شيء قدير.
وإليكم النصوص المشار إليها من الكتاب والسنة :
• ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾
[يس: 65]
• ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾
[فصلت: 21]
• تسبيح الحصا، وتسبيح الطعام، وسلام الحجر على المبعوث بالمعجزات الباهرات محمد عليه الصلاة والسلام. كما أثبتت السنة ذلك .ونحن وإياكم نؤمن بذلك كله، فلنؤمن إذا بكلام اللّه الذي أنطقها، وهو على كل شيء قدير .
فقالوا : أما بالنسبة لهذا القرآن فهناك آية تدل على أنه مخلوق ،وهو قوله تعالى : ( اللّٰه خالق كل شيء)،لأن القران شيء، فلابد أن يدخل في عموم (كل) لأنها من ألفاظ العموم .
أولا - كيف يسوغ لهم الاستدلال بالقرآن المخلوق - في زعمهم - على أن القرآن نفسه مخلوق ؟ وبعبارة أخرى : إذا كان قوله تعالى :(خالق كل شيء) مخلوقا - كما زعموا - فلا يصح أن يكون دليلا لهم !
ثانيا : هل هم جهلوا أو تجاهلوا تجاهل عارف أن عموم (كل) في كل موضع بحسبه يختلف باختلاف المواضع، يعرف ذلك بالقرائن ؟ولو أخذ العموم هنا كما أرادوا لدخلت في هذا العموم جميع صفات اللّه تعالى بل المفهوم الصحيح أن عموم (كل) هنا إنما يعنى كل شيء مخلوق . فلا يدخل في العموم شيء من صفات اللّه ، من الكلام وغيره، ومما يؤيد ما قلناه قوله تعالى في وصف الريح التي أرسلها اللّٰه إلى قوم (هود) : (تدمر كل شيء بأمر ربها) فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم ) وهي لم تدمر كل شيء، وإنما دمّرت ما أراد اللّه تدميره، أما مساكنهم وأشياء كثيرة أخرى لم تدمر،
وكذلك قوله تعالى وهو يخبرنا عن بلقيس : (وأوتيت من كل شيء ) وهل أوتيت بلقيس من كل شيء في الدنيا أو حتى كل شيء في ناحبتها ؟ لا . وإنما أوتيت من كل شيء يحتاج إليه الملوك في مملكتهم.
ومايدل من كتاب الله على أن كلامه غير مخلوق قوله عز وجل (أمما قولنا لشيء اذا اردناه أن نقول له كن فيكون) ، فلو كان القرآن مخلوقا لوجب أن يكون مقولا له كن فيكون ولو كان الله عزوجل قائلا للقول (كن) كان للقول قولا وهذا يوجب احد أمرين : اما ان يؤول الامر الى ان قول اللّٰه غير مخلوق او يكون كل قول واقع بقول لا الى غاية وذلك محال وإذا استحال ذلك صح وثبت أن للّه عز وجل قولا غير مخلوق »
يقول الإمام أبي الحسن الأشعري الذي تنتسب إليه الأشعرية المعاصرة أي إلى مذهبه الذي عاش عليه فترة من الزمن مع ابن كلاب، ثم تركه :
أ- زعمت الجهمية - كما زعمت النصارى - لأن النصارى زعمت أن كلمة اللّٰه حواها بطن (مريم)، وزادت الجهمية عليهم فزعمت أن القرآن مخلوق، حل في شجرة فكانت الشجرة حاوية، له فلزمهم أن تكون الشجرة متكلمة بذلك الكلام، ووجب عليهم أن مخلوقاً من المخلوقات كلم موسى .
وأن الشجرة قالت : ياموسى إننى أنا اللّه لا إله إلا أنا، فاعبدني .
ب - وقال الإمام أبو الحسن وهو يصف القرآن الذي تزعم الجهمية والأشاعرة معا أنه مخلوق : (وهو متلو بالألسنة، قال تعالى : (لا تحرك به لسانك ).ثم قال الإمام : والقرآن مكتوب في مصاحفنا في الحقيقة ، محفوظ في صدورنا في الحقيقة، متلو بالسنتنا في الحقيقة، مسموع لنا في الحقيقة كما قال عز وجل : (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله)وقد قال الإمام قبل ذلك : القران في اللوح المحفوظ ، وهو في صدور الذين أوتوا العلم، قال تعالى : (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ).
ثم قال أبو الحسن - وهو يحاور الجهمية بأسلوب آخر غير الذي تقدم ليثبت بأن كلام اللّٰه - على تعدده وتنوعه - غير مخلوق - حيث يقول : (قد استعاذ النبي عليه الصلاة والسلام بكلمات اللّٰه التامات من شر ما خلق إذ يقول عليه الصلاة والسلام : (أعوذ بكلمات اللّٰه التامات من شر ما خلق) وعلم أمته بتلك الاستعاذة وهي الالتجاء إلى اللّٰه من شر خلقه فهي عبادة عظيمة، فلو كانت كلمات اللّٰه مخلوقة لما استعاذ بها ولَمَا علَّم أمته، لأنه عليه الصلاة والسلام ينهى عن ذلك، بل يعده نوعا من الإشراك باللّه.و إن كلام اللّٰه ليس معنى واحدا يقوم بالذات، ليس بحرف، ولا صوت، كما تزعمه الأشاعرة المتأخرة، بل كلمات اللّه لا حد لها ؛ لأنها من كمالاته، فكمالاته سبحانه لا تنتهي ، ومما يزيد المقام بيانا قوله تعالى : (قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي، ولو جئنا بمثله مددا) وقوله تعالى : (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام، والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن اللّٰه عزيز حكيم) هذه المعانى هي التي يريد الإمام أبو الحسن إثباتها ليحاجج الجهمية، ومن يوافقهم في اعتقادهم بأن كلام اللّه مخلوق .
وقد سبقه إلى مثل هذا الحوار إمام أهل السنة وقامع البدعة الإمام أحمد بن حنبل ، فكان كالتالي :
قالت الجهمية : إن اللّه لا يكلم ولا يتكلم، إنما كون شيئا فعبر عن الله ، وخلق أصواتا فأسمع . وزعموا أن الكلام (اللفظ) لا يكون الا من جوف ولسان وشفتين.
فيقول الإمام أحمد: هل يجوز لمكوَّن أو لغير اللّه أن يقول : (ياموسى إنى أنا ربك)؟ أو يقول : (إننى أنا اللّٰه لا إله إلا أنا فاعبدنى وأقم الصلاة لذكري ) فمن زعم ذلك فقد زعم أن غير اللّٰه ادعى الربوبية كما زعم الجهم أن اللّه كوّن شيئا كأن يقول ذلك المكَوَّنُ :(ياموسى إنى أنا اللّٰه رب العالمين ) وقال جل ثناؤه : (وكلم اللّٰه موسى تكليما) إلى آخر تلك الآيات التي ساقها ، وهو يحاورهم .
ثم قال : فهذا نصوص القران .
و قالوا : (إن اللّه لا يتكلم)
فقال : كيف تصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدى بن حاتم قال : قال رسول اللّٰه صلّى الله عليه وسلم : ((ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه)
وأما قولهم : إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم، وشفتين، ولسان.
رد عليهم : أليس اللّٰه قال للسموات والأرض :(قالتا : أتينا طائعين)أتراها قالت : بجوف وفم وشفتين ولسان وأدوات وقال : (وسخرنا مع داود الجبال يسبحن) أتراها يسبحن بجوف وفم ولسان وشفتين) ؟!
الجواب الذي لابد منه (لا) في جميع هذه الاستفهامات، ولكن اللّه القادر على كل شيء هو الذي أنطق تلك الجهادات، فجعلها تتكلم حقيقة دون آلات معهودة للتكلم عادة تسمى (مخارج الحروف) فهل الذي مكن لهذه المخلوقات من التكلم يعجز عن الكلام ؟ أليس المخلوق الذي يتصف بالكلام خير وأكمل من الذي لا يتكلم ؟ الجواب (بلى) بإجماع العقلاء .
فهل تُسوّغ عقولهم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق ؟ لان كثيرا من المخلوقات تتصف بالكلام - وهو صفة كمال - والخالق يمتنع عليه . أفليس الذي يعطي الكمال أولى بأن يتصف بالكمال على أكمل وجه حيث لا يشاركه أحد في خصائص ذلك الكمال ؟الجواب (بلى) لدى جميع العقلاء .
يقول ابن القيم في قصيدته (الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية) :
و كلامُ ربِّ العرشِ جلَّ جلالُهُ حقٌّ وليس بمُحدَثٍ ببيانِ
بل قاله حقًّا بصوتٍ مسمعٍ منه إليه بغير ما كتمانِ
و يقول الإمام القحطاني في نونيته:
من قال إن الله خالق قوله ... فقد استحل عبادة الأوثان
و قال الإمام الطحاوي رحمه الله:
(وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيًا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقًّا، وأيقنوا أنه كلام اللّٰه تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق مثل كلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر، فقد كفر، وقد ذمه اللّٰه وعابه وأوعده بسقر؛ حيث قال تعالى: (سَأُصْلِيه سَقَرَ ) [المدثر: 26]، فلما أوعد اللّه بسَقَرَ لمن قال: ( إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْل البَشرِ ) [المدثر: 25] علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ومن وصف اللّه بمعنَّى من معاني البشر فقد كفر، فمن أبصر هذا اعتبر، وعن مثل قول الكفار انزجر، وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر)
فنسأل الله أن يثبت قلوبنا على دينه، و أن يجعلنا من أهل الاتباع لا الابتداع.