“دعوى تربيع علي: قراءة نقدية في المفهوم والتاريخ”
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
هذه مقالة دعوية بمسألة لطالما كثر الغلط فيها، أرجو أن تكون شافية ووافية لمن عنده أدنى بصيرة، ومن الله التوفيق.
تُعدّ مسألة “تربيع” علي بن أبي طالب وترتيبه رابعًا في الخلافة من القضايا التي شاع تداولها بين عامة الناس، حتى غدت عند كثير منهم أمرًا مسلّمًا لا يُلتفت إلى مناقشته أو التحقق من أصوله. ويُلاحظ أن هذا التصور انتشر عبر التناقل الشفهي والاعتماد على ما اشتهر في الكتب المدرسية أو المجالس العامة، دون تمحيص علمي دقيق أو نظرٍ في الأدلة التاريخية والروائية التي تناولت هذه القضية. ومع مرور الزمن، ترسّخ هذا الفهم في الأذهان بوصفه حقيقة ثابتة، رغم أن البحث العلمي يقتضي التمييز بين ما هو شائع وما هو ثابت بدليل معتبر. ومن هنا تبرز أهمية إعادة النظر في هذه المسألة، وطرحها في إطارٍ علمي موضوعي يهدف إلى بيان حقيقتها، بعيدًا عن التأثر بالانتشار أو التسليم بما اعتاده الناس.
وإذا انتقلنا إلى النظر في حال الصحابة رضوان الله عليهم، نجد أن الصورة التي تُتداول عند العامة عن إجماعٍ فوريٍّ ومطلق على ترتيبٍ معيّن للخلافة ليست بالدقة التي يُتصوّرها كثير من الناس. فإن الوقائع التاريخية تُظهر أن مسألة البيعة لم تكن على نمطٍ واحدٍ بسيط، بل جرت في سياقات متعددة، ومرّت بمراحل من النقاش والاجتهاد، تبعًا للظروف التي أحاطت بكل مرحلة من مراحل انتقال السلطة. وليس المقصود من ذلك نفي وقوع البيعة في أصلها، وإنما التنبيه إلى أن تصويرها على أنها كانت دائمًا بإجماعٍ لحظيٍّ بلا تردد أو اختلاف، هو تصوير يحتاج إلى مراجعة وتدقيق.
فإن الصحابة، وهم خير القرون، كانوا يجتهدون في النوازل الكبرى بحسب ما يظهر لهم من المصلحة، وقد تختلف أنظارهم في بعض الجزئيات دون أن يقدح ذلك في عدالتهم أو فضلهم. ومن هنا، فإن القول بأن ترتيب الخلافة جرى على نحوٍ واحدٍ ثابتٍ كما يُشاع، دون التفاتٍ إلى تفاصيل الأحداث وظروفها، يُعد تبسيطًا مخلًّا لا يعكس الصورة التاريخية الكاملة. ولذلك فإن دراسة هذه المسألة تقتضي الرجوع إلى المصادر، والنظر في الروايات، ومراعاة سياستها، للوصول إلى فهمٍ أدقّ وأقرب إلى الواقع.
ثم يُطرح بعد ذلك ما يُسمّى بـ“الإجماع” على خلافته رضي الله عنه، وهو من أكثر الأمور التي تُذكر في هذا الباب دون تحريرٍ دقيق لمعناها وحقيقته. إذ إن دعوى الإجماع، في الاصطلاح العلمي، تعني اتفاق جميع أهل الحل والعقد بلا استثناء، وهو أمرٌ عظيم لا يثبت إلا بأدلةٍ صريحة واضحة لا تحتمل الاحتمال أو الخلاف.
وعند التأمل في مسألة خلافة علي بن أبي طالب، نجد أن تصويرها على أنها قامت على إجماعٍ تامٍّ منذ اللحظة الأولى هو تصوير يحتاج إلى مراجعة. فقد جاءت خلافته في ظرفٍ استثنائي اتّسم باضطراب الأوضاع السياسية، ووقوع الفتن الكبرى التي أثّرت على وحدة الكلمة واجتماع الناس. وهذا السياق التاريخي يجعل من الصعب الجزم بوقوع إجماعٍ كاملٍ بالمعنى الدقيق الذي يذكره الأصوليون.
كما أن بعض الوقائع التاريخية تشير إلى وجود تباينٍ في مواقف عددٍ من الصحابة، سواء في توقيت البيعة أو في كيفية التعاطي مع الأحداث الجارية آنذاك، وهو ما يدلّ على أن المسألة لم تكن محل اتفاقٍ مطلق كما يُشاع. ولا يعني ذلك الطعن في أصل خلافته أو مكانته، وإنما يهدف إلى التفريق بين ثبوت الخلافة كواقعٍ تاريخي، وبين دعوى الإجماع عليها بوصفها قضيةً تحتاج إلى دليلٍ مستقل.
وعليه، فإن نسبة الإجماع في هذه المسألة ينبغي أن تُتناول بحذرٍ علمي، بعيدًا عن التسليم بما اشتهر، مع ضرورة الرجوع إلى المصادر الموثوقة، وتحليل الروايات في ضوء قواعد التحقيق التاريخي، للوصول إلى تصورٍ أقرب إلى الدقة والإنصاف.
وختامًا، فإن هذه المقالة لا تستوعب جميع جوانب المسألة، وإنما تمهّد لبحثٍ أوسع وأعمق. على أن تكون المقالة القادمة تتمّةً لهذا الطرح، يُستكمل فيها النظر في عددٍ من القضايا المرتبطة، ومن أبرزها: دراسة تفاصيل بيعة علي بن أبي طالب من حيث التوقيت والملابسات، وتحليل مواقف بعض الصحابة الذين تأخروا أو كان لهم اجتهادٌ مغاير، إضافةً إلى مناقشة الروايات التاريخية الواردة في هذا الباب من حيث الصحة والثبوت، وبيان أثر الفتن الكبرى في تشكيل صورة الإجماع أو نفيه. كما سيتم التطرق إلى تحرير مفهوم “الإجماع” عند العلماء، ومقارنته بالتطبيقات التاريخية الواقعية، للوصول إلى فهمٍ أدقّ وأقرب إلى التحقيق العلمي.
