إثبات صفة اليدين لله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم 


الحمد لله ربّ العالمين، المتصف بصفات الكمال، المنزّه عن النقائص، الذي أثبت لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الأسماء والصفات ما يليق بجلاله، من غير تحريف ولا تعطيل.ومن جملة ما دلّ عليه، وأجمع عليه سلف الأمة، صفةُ اليدين لله تعالى، وهي صفة حقيقية ثابتة لله عزّ وجل على الوجه اللائق به، لا تشبه أيدي المخلوقين.وهذه الصفة من الصفات التي طاشت فيها سهام الخلف عن إصابة الهدف، فأولوها تفسيرا يساير عقيدتهم، فجعلوها تارةً بمعنى القدرة، وتارةً بمعنى النعمة، فرارًا من التشبيه والتجسيم.



أولاً / القرآن الكريم


يقول اللّٰه في كتابه المبين : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ سورة ص (٧٥)

و يقول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ سورة المائدة (٦٤)


فهل من الجائز أن يقال : لما خلقت (بنعْمتي)؟

وهل من الجائز أن يقال : لما خلقت (بقُدرتيَّ)؟


لا يجوز أن يكون معنى ذلك نعمتين ، 

لأن الذي يؤمن به جميع المؤمنين أن نعم اللّٰه لا تعد ولا تحصى، (وإن تعدوا نعمة اللّٰه لا تحصوها).

و لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول القائل : عَمِلتُ بِيَدىً وهو يعنى نعمتىَّ .


ولا يجوز أن نعني قدرتين، 

لان الذي ندين به نحن وإياهم أن لله قدرةً واحدة وباهرة . ( وهو على كل شيء قدير) لعدم الدليل على التعدد. 


ولا يجوز أن نعني جارحتين،

لأن الجارحة للمخلوق . ولا شبه يده يد المخلوق.قال الناظم عبد القاهر بن عبد الواحد التبريزي رحمه الله:

من قاسه من البشر بخلقه فقد كفر      وقد أطاع ونصر أمر الهوى المتبع


وإذا فسدت الأقسام الثلاثة صح القسم الرابع وهو أن معنى قوله (بيدي)إثبات يدين ليستا جارحتين، ولا قدرتين ولا نعمتين، لا يوصفان إلا بأن يقال :بأنهما يدان ليستا كالأيدي خارجتان عن سائر الوجوه الثلاثة التى سلفت.


قال الإمام أبو الحسن الأشعري - وهو يناقش تفسير الخلف لآية (ص) -: (فلو كان اللّه عز وجل عنى بقوله : (لما خلقت بيدي) القدرة لم يكن لادم عليه السلام على إبليس في ذلك ميزة، والله عز وجل أراد أن يُرى أن لآدم على إبليس فضلا إذ خلقه بيده دونه ، ولو كان خالقا لإبليس بيديه كما خلق آدم عليه السلام بيديه لم يكن لتفضيله عليه بذلك وجه ، وكان إبليس يقول محتجا على ربه :فقد خلقتنى بيديك كما خلقت ادم بهما. فلما أراد اللّه عز وجل تفضيله عليه بذلك قال له موبخا لاستكباره على ادم أن يسجد له : (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ) 


قال ابن بطال عند تفسير قوله تعالى : (لما خلقت بيدي) في هذه الآية إثبات يدين لله تعالى وهما صفتان من صفات ذاته، وليستا بجارحتين ثم لو استقرأنا القرآن الكريم لوجدنا أن لفظ (اليد ) جاء في القرآن على ثلاثة أنواع :

  1.     جاء مفردا كقوله تعالى : (بيدك الخير).
  2.     جاء مثنى كقوله تعالى : (لما خلقت بيدي).
  3.     جاء جمعا كقوله تعالى : (مما عملت أيدينا).


وإذا راجعنا هذه الاستعمالات الثلاثة لليد نجد اللّٰه إذا ذكر اليد مثناة يضيف الفعل إلى نفسه بضمير الإفراد ويتعدى الفعل بالباء إليهما أي إلى اليدين (لما خلقت بيدي) .


وإذا ذكرها بصيغة الجمع أضاف العمل إلى اليد والفعل يتعد بنفسه لا بالباء (مما عملت أيدينا) .

و يكون معنى عملت أيدينا أي عمِلنا نحن، وهو يساوى عملنا وخلقنا ورزقنا وتوضيح ذلك : من الجائز أن يضاف الفعل إلى يد ذى اليد بدلا من أن يضاف إليه مباشرة وهو أسلوب معروف عند العرب

وهو كقوله : (بما قدمت يداك)و (فيما كسبت أيديكم). وأما إذا أضيف الفعل إليه تعالى ثم عُدِّي الفعل بالباء إلى يده مثناة أو مفردة فهذا مما باشرته يده سبحانه. 



قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغْلُولَةُ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ) ،المائدة (٦٤)

فالله تعالى أنكر على اليهود نسبة يده إلى النقص والعيب، ولم ينكر إثبات اليد له، فلعنهم على وصف يده بالعيب دون إثبات يده، وقد زاد في إثباتها له بأنهما يدان مبسوطتان، وبهذا يُعلم تلبيس الجهمية المعطلة على أتباعهم حيث قالوا: إن اللّٰه لعن اليهود على إثبات اليد له سبحانه وأنهم مشبهة، وهم أئمة المشبهة، فتأمل هذا الكذب من هذا القائل والتلبيس، وأن الآية صريحة بخلاف قوله



و قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ سورة الزمر، (٦٧)

وهذا إثبات لليمين، وهي صفة ليديه سبحانه، ويدل على هذا التفسير ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( يقبض الله عز وجل الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض) 

رواه البخاري ومسلم . 


وأما قوله تعالى : ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ سورة الذاريات،(٤٧) 

فليس لفظ (أيد) هنا جمع يد كما قد يتوهم. وإنما هو مصدر آد الرجل يئيد أيدا، أي قوي هكذا قال المفسرون .


ويفهم من كلام بعض أهل العلم أن النسبة التي بين اليد والقدرة كالتي بين الإرادة والمحبة إذ يقول الإمام ابن القيم رحمه اللّه في معنى هذه الصفة (اليد) أنها قريبة من معنى القدرة إلا أنها أخص منها معنى، والقدرة أعم ثم قال رحمه اللّٰه : كالمحبة مع الإرادة والمشيئة ، وكل شيء أحبه فقد أراده وليس كل شيء أراده أحبه وكذلك كل شيء حَادِثِ فهو واقع بالقدرة وليس كل شيء واقع بالقدرة واقعاً باليد . فاليد أخص من معنى القدرة ولذلك كان فيها تشريف آدم. قلت : وكذلك كتابة التوراة وغرس جنة الفردوس كما تقدم. وعند التحقيق أن النسبة بين القدرة واليد فمن باب العموم والخصوص المطلق يجتمعان في خلق آدم وما ذكر معه لأنه خلقه بقدرته وصنعه بيده سبحانه كما كتب التوراة بيده وغرس جنة الفردوس بيده أيضا، وتنفرد القدرة في سائر مخلوقاته التي لم يباشر خلقها بيده ولكن قال لها : كونى فكانت. والله أعلم .




ثانياً / الأحاديث النبوية


• الحديث الأول اتفق على إخراجه الشيخان وهو حديث احتجاج ادم وموسى عليهما السلام، ومحل الشاهد منه (فقال ادم ياموسى  اصطفاك اللّٰه بكلامه وخط لك التوراة بيده) ولا يحتمل المعنى هنا القدرة وإلا لم يكن للتوراة اختصاص بما ذكر ولا كانت أفضلية لآدم على كل شيء مما خلق بالقدرة كما تقدم في كلام أبي الحسن الأشعري. 


• وأما كون اليمين صفة ليديه سبحانه، فلما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - : قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: ( إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن – وكلتا يديه يمين – الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولُوا  ) أخرجه مسلم . 


• وحَدِيثِ ابْنِ عباس رضِيَ اللهُ عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقَلَمُ، وَأَخَذَهُ بِيَمِينِهِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ)



• وخلاصة ما ذكر فيما تقدم أن هذه الصفة صفة بها العطاء والأخذ والقبض وهي غير القدرة وغير النعمة. نقول ذلك استنادا إلى قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري : (يد اللّه ملأى لا يغيضها نفقة سحَّاء الليل والنهار. أرايتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض فإنه لم ينقص ما في يده، وكان عرشه على الماء وبيده الميزان يخفض ويرفع)


• وقوله عليه الصلاة والسلام :(يقبض اللّٰه الأرض ويطوي السماوات بيمينه ثم يقول : أنا الملك أين ملوك الدنيا)



• وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِن اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَبْسُطُ يَدَهُ بِالليْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ الليْلِ حَتى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا)




 :قال الإمام الدارمي رَحمَهُ اللَّهُ في نقضه على الجهمي المريسي
.وزعم بشراً في قول اللّٰه لإبليس: ( مَا مَنَعَكَ أَن تسجد لِمَا خَلَقتُ بيدَيٍّ) ان معنى(بيدي) تأكيداً للخلق، لا أنه خلقه بيد
وأما قولك: تأكيداً للخلق، فلعمري إنه لتأكيد جهلت معناه فقلبته، وإنما هو تأكيد اليدين، وتحقيقهما وتفسيرهما، حتى 
يعلم العباد أنها تأكيد مسيس بيد، لما أن اللّٰه قد خلق خلقاً كثيراً في السماوات والأرض أكبر من آدم وأصغر، وخلق الأنبياء والرسل، وكيف لم يؤكد في خلق شيء منهما ما أكد في خلق آدم، إذ كان أمر المخلوقين في معنىٰ يدي اللّٰه كمعنى آدم عند المريسي، فإن يك صادقاً في دعواه، فليسمّ شيئًا نعرفه، وإلا فإنه الجاحد بآيات اللّٰه المعطل ليدي اللّه.


فإن أجاب المريسي أعلمناه تأكيد الخلق، إذ كان به جاهلاً، وهو قوله:

﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾،

 ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، و﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ﴾، 

﴿خَلَقَكُمْ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾، 

﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، 

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾

فهذا تأكيد الخلق وتفسيره، لا ما ادعى الجاهل.


وقوله لإبليس: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ تأكيد يديه لا تأكيد خلق آدم، وما كان حاجة إبليس أن يؤكد الله له خلق آدم، وقد كان من أعلم الخلق بآدم؟ رآه قبل أن ينفخ فيه الروح طينًا مصورًا مطروحًا بالأرض، ثم رآه بعدما نفخ فيه الروح، ثم كان معه في الجنة حتى وسوس إليه فأخرجه منها، ثم كان يراه إلى أن مات، فإنما أكد الله له من أمر آدم ما لم ير، لا ما رأى، لأنه لم ير يدي الله وهما تخلقانه.



ومن كلام أهل العلم في إثبات الصفات والرد على التأويل قالوا:

لفظ الطي والقبض والبسط والإمساك باليد يصير المجموع حقيقة، هذا في الفعل وهذا في الصفة، بخلاف اليد المجازية فإنها إذا أريدت لم يقترن بها ما يدل على اليد حقيقة، بل ما يدل على المجاز كقولهم: (له عندي يد) و (أنا تحت يده) ونحو ذلك، وأما إذا قيل (قبض بيده) و (أمسك بيده) أو (قبض بإحدى يديه) فهذا لا يكون إلا حقيقة، وإنما أتي هؤلاء من جهة أنهم رأوا اليد تطلق على النعمة والقدرة في بعض المواضع، فظنوا أن كل تركيب وسياق صالح لذلك فوهموا وأوهموا، فهب أن هذا يصلح في قوله: (لولا يد لك لم أجزك بها)، أفيصلح في قوله: (وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ)، وفي قول عبد الله بن عمرو: “إن الله لم يباشر بيده أو لم يخلق بيده إلا ثلاثا: خلق آدم بيده، وغرس جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده» أفيصح في عقلٍ أو نقلٍ أو فطرة أن يقال: لم يخلق بقدرته أو بنعمته إلا ثلاثاً؟


و هل يمكن أن يكون هذا كله من أوله إلى آخره وأضعافه وأضعاف أضعافه مجازاً لا حقيقة وليس معه قرينة واحدة تبطل الحقيقة وتبين المجاز؟ 


إن فررتم خشيةَ التجسيم والتركيب، ففروا من سائر الصفات من أولها إلى آخرها لأجل هذا المحذور، وإلا تناقضتم؛ فإن ادّعيتم أن ما فررتم منه يلزم منه ذلك دون غيره، ظهر بطلان دعواكم، إذ الصفات لا تقوم بنفسها وقيامها بمحلها لازم في الجميع، وإنما هذا تلبيس منكم على ضعاف العقول.

فالحق أبلج و الباطل لجلج.



في الختام، يجب على المسلم أن يسلّم لله بهذه الصفة، فهو سبحانه أعلم بنفسه حيث نسب هذه الصفة لنفسه، ولا يتجاوز ما أثبته الله لنفسه، فيؤول أو يكيّف أو يعطّل، فكل ذلك على خلاف ما أراد الله، وعلى خلاف ما سار عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن تبعهم على هديهم، في إثبات صفات الله التي أخبر بها عن نفسه، أو أخبر بها رسوله .


و أنبّه، عند إثبات صفة اليد لله وغيرها يجب تجنب كل سبل تخيل هذه الصفة أو تلك، فالله ليس كمثله شيء، وصفاته ليست كصفات المخلوقين.